كنت مدعوّة ذات ليلة إلى حفل زفاف إحدى زميلاتي في العمل.. بصراحة، كان الزفاف لا يقارن بحفلات الزفاف التي قد حضرتها من قبل، ولا أعتقد أن ما سأحضره في المستقبل سوف يفوقه بأي شكل من الأشكال.. فحسن الضيافة والاستقبال كان ضرباً من الخيال.. والابتسامة توزع مع كيس الشيفون لكل حاضرة؛ لتضع عباءتها فيها.. فأخذت كيسي الخاص وأنا في حالة ذهول من نعومة اللمسات على الديكورات الرومانية الفخمة، والباقات الضخمة من الورود الحمراء والبيضاء الموزعة في أرجاء القاعة.. وبينما كنت هائمة في حضور هذا الجمال، استوقفتني روعة التصاميم ودقة التفاصيل المنفـّذة في "الكوشة" التي جمعت بين جمال الشرق وسحر الغرب.. حينها، أحسست وكأنني "أليس في بلاد العجائب".
اخترت لنفسي مكانٌ لأستقر فيه على احدى الطاولات التي كانت هي الأخرى ضمن عجائب تلك الليلة، فقد غُطـّيت بأجمل المفارش الحريرية.. وأعتلا وسطها إناء زجاجي عُـبّئ بسائل أحمر يتخلله أحجار كرستالية ذات أشكال وأحجام مختلفة، يعتليها أوراق ورود بيضاء.. والتفـّت حول الإناء الجذّاب مجموعة صغيرة من أطباق الضيافة الشهيّة التي احتوت ثلاثة أصناف: مكسرات صينية، شوكولاته سويسرية، وفواكه طازجة.. ومما زاد من عجبي وانبهاري، تلك التوزيعات، التي كانت أشبه بالتحف الفنيّة المستوحاة من أجمل الأساطير، ومصممة على شكل عربة سندريلا قبل أن تحضر حفل الأمير في القصة المعروفة، وبانت التوزيعات وكأنها مصنوعة من مادة غريبة.. لم ألمس مثلها من قبل، ناعمة كسطح الزجاج ذات لون أبيض كاللؤلؤ.. ومزيّنة بزهور منحوتة بمهارة في مقدمة العربة.. وزادها جمالاً، تلك الحبات الكريستالية التي تحيطها من كل جانب.. ومما أعجبني أن العربة عبارة عن علبة احتوت بداخلها على كسرات من البخور الفاخر.
جاءت صديقتي منى من ورائي، وقطعت حديثي مع نفسي وهي واضعة راحة يدها على كتفي وبيدها الأخرى سحبت الكرسي وجلست بجواري.. وأخذنا نعلّق على تفاصيل الأشياء، وقد شدّت انتباهي إلى بروز اللون الأحمر، ومما زاده، ذلك السجاد الأحمر الممتد من الكوشة إلى الدرج الماثل في آخر القاعة، أشبه بسجاد الشهرة، ولكن يرتقي إلى الستار الفاصل ما بين أعلى الدرج وغرفة تجهيز العروس.. ويوازي ذلك الستار، في مستوى العلو، شرفات موزعة حولها من اليمين واليسار ممتدة إلى مساحة الرقص الصغيرة أمام الكوشة. ومازلنا أنا ومنى نتجاذب أطراف الحديث، وأنا استطعم ما وضع على أطباق الضيافة .. أعجبتني الشوكولاته كثيراً، ولكن منى لم تمس غير الفاكهة؛ لاتباعها "ريجيم الفواكة" ..! وفجأة.. ومن غير مقدمات.. برزن فتيات من على الشرفات.. فلفتن انتباهي وأنظار الحاضرات.. وفي تلك الآونة، أخذت إضاءة القاعة تهدأ تدريجياً إلى أن خفتت الأنوار.. وارتفع الستار الروماني المنسدل أعلى الدرج.. وتحولت الأنظار لحورية تجسدت بصورة بشرية، بدت وكأنها الشمس في سمائها وهي تتوسط كواكب من الغانيات المعلقات في الشرفات، وبكل هيبة وهدوء هبطت لنا كالملاك المنزّل.. ما أجملها وهي منسجمة مع الألحان المعزوفة، وكأنها جزء من السمفونية.. وما أن خطت خطوتها الأخيرة من عتبات الدرج، إلا وبدأت الأيادي في نثر الورد من أعلى الشرفات.. وكأن السماء تمطر ورداً ..! واستمرت زخات الورود إلى أن وصلت العروس إلى عرشها، وكانت ابتسامتها المذهلة آية بالجمال.. بانت وكأنها أميرة في فستانها الأبيض الجامع ما بين الهدوء والبساطة والفخامة ليكون مزيجاً للإطلالة الملكية. واستمر مسلسل من المفاجأت الإبداعية التي شدّت الأنظار والأذهان إلى نهاية الحفل.. وكم اعتبر نفسي محظوظة لكوني عشت مشاهد هذه الحكاية الخرافية، وأنا أحمل في راحة يدي هذه التوزيعة؛ لتكون تذكاراً لهذه الليلة السعيدة.. التذكار الذي أحيا فيني الأمل ليكون حفل زفافي بهذا المستوى الراقي.. استرجعت ذهنياً تفاصيل الفرح ونمى فيني فضول القطط، ولا يشفي الفضول إلا الكشف عن أسرار الوصول إلى المرجع الأم وراء هذه الليلة الأسطورية. وبينما أخذن الحاضرات بالاتجاه إلى تناول طعام العشاء، خطرت ببالي فكرة كشفت لي من خفايا الزوايا السر الذي سيجعل من حفل زفافي أسطورياً كهذا !
(يتبع)






